مجمع البحوث الاسلامية
228
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المال ، فأنزل اللّه تعالى على نبيّه ، وأتاه جبرئيل فأعلمه أنّ اللّه يأمره أنّ من أدركه منهم قد قتل وأخذ المال قتله وصلبه ، ومن قتل ولم يأخذ المال قتله ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع يده لأخذه المال ، وقطع رجله لإخافة السّبيل . وقال بعضهم : المسلمون مخيّرون في أمر المشركين ، إن شاؤوا قتلوهم وصلبوهم ، أو قطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف . ( 2 : 169 ) الجصّاص : قوله تعالى : يُحارِبُونَ اللَّهَ هو مجاز ليس بحقيقة ، لأنّ اللّه يستحيل أن يحارب ، وهو يحتمل وجهين : أحدهما : أنّه سمّى الّذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السّلاح وقطع الطّريق : محاربين ، لما كانوا بمنزلة من حارب غيره من النّاس ومانعه ، فسمّوا محاربين تشبيها لهم بالمحاربين من النّاس ، كما قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ الحشر : 4 ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ المجادلة : 5 ، ومعنى المشاقّة : أن يصير كلّ واحد منهما في شقّ يباين صاحبه ، ومعنى المحادّة : أن يصير كلّ واحد منهما في حدّ على وجه المفارقة ؛ وذلك يستحيل على اللّه تعالى ؛ إذ ليس بذي مكان فيشاقّ أو يحادّ أو تجوّز عليه المباينة والمفارقة . ولكنّه تشبيه بالمعاديين ؛ إذ صار كلّ واحد منهما في شقّ وناحية على وجه المباينة ؛ وذلك منه على وجه المبالغة في إظهار المخالفة والمباينة ، فكذلك قوله تعالى : يُحارِبُونَ اللَّهَ يحتمل أن يكونوا سمّوا بذلك تشبيها بمظهري الخلاف على غيرهم ومحاربتهم إيّاهم من النّاس . وخصّت هذه الفرقة بهذه السّمة لخروجها ممتنعة بأنفسها لمخالفة أمر اللّه تعالى وانتهاك الحريم وإظهار السّلاح . ولم يسمّ بذلك كلّ عاص للّه تعالى ؛ إذ ليس بهذه المنزلة في الامتناع وإظهار المغالبة في أخذ الأموال وقطع الطّريق . ويحتمل أن يريد الّذين يحاربون أولياء اللّه ورسوله ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ الأحزاب : 57 ، والمعنى يؤذون أولياء اللّه ، ويدلّ على ذلك أنّهم لو حاربوا رسول اللّه لكانوا مرتدّين بإظهار محاربة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد يصحّ إطلاق لفظ المحاربة للّه ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة بالمعصية وإن كان من أهل الملّة ، والدّليل عليه ما روى زيد بن أسلم عن أبيه : أنّ عمر بن الخطّاب رأى معاذا يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اليسير من الرّياء شرك ، من عادى أولياء اللّه فقد بارز اللّه بالمحاربة » . فأطلق عليه اسم « المحاربة » ولم يذكر الرّدّة . ومن حارب مسلما على أخذ ماله فهو معاد لأولياء اللّه تعالى محارب للّه تعالى بذلك . وروى أسباط عن السّدّيّ عن صبيح مولى أمّ سلمة عن زيد بن أرقم ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين : « أنا حرب لمن حاربتم ، سلم لمن سالمتم » فاستحقّ من حاربهم اسم المحارب للّه ورسوله وإن لم يكن مشركا . فثبت بما ذكرنا أنّ قاطع الطّريق يقع عليه اسم المحارب للّه عزّ وجلّ ولرسوله ، ويدلّ عليه أيضا ما روى أشعث عن الشّعبيّ عن سعد بن قيس : أنّ حارثة بن بدر حارب اللّه ورسوله وسعى في الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه ، فكتب عليّ رضي